السلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته
قابلتني إحدى الملحدات (هداها الله تعالي) في إحدى المنتديات فوجدتها تتكلم عن الإسلام بحنق شديد وبصورة تفريغية بشعة تنفث من خلالها كل سمومها نحو هذا الدين الحنيف ظلماً وبهتاناً بغير علم ولا فقه ولا عقل ولا نقل، الأمر الذي أثار عندي الكثير من السخط عليها فجعلني أحتد في أسلوب الخطاب الذي اتخذ لهجة شديدة من جانبي نحوها، ولكنها كانت أكثر مني دهاء فامتصت غضبي وطلبت مني ضبط النفس والتريث وذلك بطلبها إلي أن أجيب عن سؤال واحد مما يجول بخاطرها ويجعلها تكره هذا الدين الحق بلا أدني منطق أو مناقشة، لذا فقد حاولت قدر الإمكان في مناقشتي تلك أن أتجنب الخوض معها فيما يتعلق بوجود الذات الإلهية أو الرد علي القضايا الهامة سواء كانت تشريعية أو أوامر أو نواهي في القرآن الكريم نظراً لخبرتي الطويلة بأسلوب الملحدين وقلبهم للحقائق أباطيل بطرق لولبية سحرية زئبقية....!!...
قلت: مهلاً، إن ما يدور بخلدك وتعتقدين أن ليس له إجابة إنما ينبع من اعتقادك الشخصي فقط والذي ينبع بدوره من عدم علمك وإقحام نفسك في أشياء يعجز العقل البشري عن الوصول إليها، وليس معني أنك لا تملكين الإجابة فإن ذلك ينفي وجودها...
قالت: إذن فأجب أنت عن هذا السؤال إن استطعت (....)
قلت: حتي وإن لم أكن أملك الإجابة عنه (مع أنني لا أعرفه حتي الآن) إلا أن هذا ليس دليلاً علي عدم وجود إجابة.... أنا رجل آمنت بالله تعالي وبكتابه (القرآن الكريم) إيماناً مطلقاً، وبالطبع فإن الفرق بين إيماني بالإسلام وإيمانك بالإلحاد...!!!...يكون بمقدار 180 درجة، إذ أنك حينما تنفين الإيمان كلية وتنكري وجوده وتدعين أنه مجرد وهم وسراب، فإنك في الوقت ذاته تغالطين نفسك فتؤمنين بالإلحاد وإنكار وجود الخالق عز وجل.... وبالطبع فإنك لن تستطيعي أن تسمي ذلك باسم آخر غير الإيمان ولكنه في الواقع يعتبر إيمان ولكن بعدم وجود الشئ، إذ أن الإيمان يكون دائماً بالغيب الحق أو بالترهات والأوهام، وما الإلحاد إلا تلك الأوهام ولا تستطيعين أن تسميه بعكس ذلك، فأنت لم تدركي بحواسك الخمس أن ليس هناك إله،.....!!....أما أنا فأوقن وأجزم بأنه إذا بدا ثمة نقص في شئ ما يتعلق بالإسلام الحنيف فإنه ليس نقصاً في واقع الأمر، ولكنه القصور الذي يحيط بعقولنا تارة، وعدم العلم الكافي الذي ينبغي أن نزود به أنفسنا تارة أخري..... يا عزيزتي إن هناك فرقاً كبيراً بين ما هو فوق العقل وما هو ضد العقل والبون شاسع بين هذا وذاك.... فالإسلام لا يوجد به ما هو ضد العقل إطلاقاً، وكيف ذلك وهو يشيد بالعقل ويرفع من شأنه بل ويجعله أهم أداه يستخدمها المسلم للوصول إلي الحق وتقرير مصيره....؟؟....!!... إن الإسلام يوجد به ما هو في مستوي العقل البشري كما يوجد به أيضاً ما هو فوق العقل البشري ولا غرو في ذلك إطلاقاً فلا تجعلي ما هو فوق عقلك حجة زائفة علي الإسلام لأن ذلك سوف يكون حجة عليك أنت وحدك دون غيرك......
قالت: كيف تصفنا بالإيمان ونحن ضده..؟؟... ألا تعلم أن الملحدين لا يؤمنون بأي شئ علي الإطلاق....؟؟.... إنكم أنتم الذين تؤمنون بالغيبيات ولكننا ضد تلك الغيبيات فكيف تصفنا بالإيمان....؟؟...
قلت: هذا غير صحيح.... فكما أننا نؤمن بوجود الشئ فإنكم تؤمنون بعدم وجوده..!!...، ولكن إيماننا له أسبابه ودوافعه العقلية والمنطقية والفطرية التي لا يستطيع أن يحيا الإنسان إلا بها، وهذا بعكس إيمانكم تماماً الذي يخلو من أي عنصر من تلك العناصر التي ذكرتها قبل ذلك، إذ أن أي إنسان علي وجه تلك البسيطة يؤمن بأشياء يعتقد بها سواء كانت صحيحة أم خطأ، ولم يُخلق إنسان حتي الآن، بل وأقول لن يُخلق هذا الإنسان الذي لا يؤمن بأي شئ علي الإطلاق، المسألة عندكم مجرد تلاعب بالألفاظ فضلاً عن أنها أوهام كبيرة تحاولون أن تستروا بها الحقيقة لتبرروا إلحادكم.
قالت: إذن فما هو الإيمان بالشئ...؟؟..
قلت: هو الاعتقاد والتصديق بوجوده والشعور بالأمن والطمأنينة من جراء ذلك، أي الارتياح لهذا الاعتقاد والتسليم به.
قالت: وما الفرق بين الشئ القابل للإيمان به والشئ غير القابل للإيمان به...؟؟
قلت: إن الشئ الذي لا يقبل الإيمان به هو كل ما تدركه حواسك الخمس أو يخضع للتجريب أي تحكمه قوانين فيزيائية أو كيميائية أو رياضية.... الخ..... فلا يجوز مثلاً أن نقول آمنا بالشمس أو بالأشعة تحت الحمراء (مع أن حواسنا الخمس لا تدركها ولكنها تخضع للتجريب)، كما لا يجوز أيضاً أن نقول آمنا بالإحدى عشر بعداً لهذا الكون والتي هي بخلاف الطول والعرض والارتفاع والزمن علي الرغم من أن حواسنا الخمس لا تدركها كما أنها لا تخضع للقوانين الفيزيائية، ولكن بالطبع يمكن إثباتها بالقوانين الرياضية، لذا فهي تخضع لتلك القوانين وعليه فهي غير قابلة للإيمان بها.
ولكن يجوز لنا أن نقول: آمنا بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، كما يجوز لغير العقلاء أن يؤمنوا بأوهام وترهات مثل الأشباح والغول والعنقاء والرخ وما إلي ذلك..!!.. فكل هذا لا تدركه حواسنا الخمس ولا يخضع للتجريب وقوانين العلوم الطبيعية والرياضية.
قالت: وما الذي يجعلني أؤمن بأشياء لا تدركها حواسي الخمس ولا تحكمها قوانين العلوم الطبيعية أو الرياضية، أي لا تخضع لعلم التجريب والفيزياء وما إلي ذلك...؟؟.. إن حال تلك الأشياء لا يجعلنا نصدقها ولا دليل واحد علي تصديقها، فكيف تطالبنا بالإيمان والتصديق بها..؟؟..
قلت: أولاً: إنكم تؤمنون بأشياء من هذا القبيل ولكن لا دليل عليها كالإيمان بالأشباح والعنقاء... الخ بل ما هو أكثر منها خرافة، فإيمانكم بأن المادة هي أصل كل شئ ولا شئ قبلها، كما أن إيمانكم بتطور الكائنات الحية دون آلية تحكم هذا التطور (هذا علي فرض صحة نظرية التطور أصلاً)، وأيضاً إيمانكم بأن هذا التطور قد تم بفعل القوانين الباطنة في المادة دون موجه أو منظم هو إيمان ينافي العقل تماماً ولكنكم تؤمنون بذلك، فمن منكم كان موجوداً في بداية الخليقة حتي يجزم بتلك المقولة...؟؟.... وكذلك تؤمنون بأن الحياة قد دبت في الحيوان وحيد الخلية (الأميبا) دون خالق وهذا ليس عليه أي دليل مادي أو عقلي واحد وعلي الرغم من ذلك تؤمنون به... ألا ترين أنك تناقضين نفسك مثل باقي الملحدين....؟؟...!!..
ثانياً: إن إيماننا نحن هو عين العقل والصدق..... فإيماننا بالله تعالي يوافق كل فطرة سليمة وأي عقل راجح
..... وهو لا يحتاج من الإنسان الطبيعي سوي نظرة في الكون الرحيب متسع الأرجاء حتي يدرك أن هناك خالقاً، ويكفي أن أقول لك أن احتمال وجود كل ما ينفع الإنسان في الأرض وجعله سيداً علي باقي مخلوقاتها، بالإضافة إلي أن احتمال وجود حكمة من الشر وأنه يحمل في باطنه الخير وحكمة الموت وغيرها، كل احتمال من تلك الاحتمالات بدون قوة حكيمة وراء هذا الكون يساوي صفراً.....!!...هل تتخيلين معي معني انعدام تلك الاحتمالات وجعل كل منها مساوياً للصفر....؟؟.... إن هذا معناه أن هناك إلها بنسبة 100% دون نقاش أو جدال..... وعليك أن تسألي بعض المتخصصين في نظرية الاحتمالات ليجيبك هو بنفسه ويؤكد لك تلك المعلومة التي أوردتها لك...... فما قيمة العلم الذي تتعلمونه وأنتم أول من يخالفونه وتنقضوا نتائجه وتفصموا عراه عروة عروة.... إنكم بذلك يا عزيزتي تهدمون أبسط قواعد العلم والمنطق والعقل دون أن تدروا.
ثالثاً: لو آمنت بأشياء تدركها حواسك الخمس وتخضع للتجريب لما سمي ذلك إيماناً..... أرجو أن تنظري في تعريف الإيمان الذي شرحته لك سابقاً وأن تتريثي في طرح السؤال من فضلك قبل أن تسأليه.
قالت: إذن فأعطني أمثلة من الأشياء التي فوق العقل والتي ضد العقل بشرط أن تكون واقعية حتي أدركها.
قلت: من الأشياء التي فوق العقل (اللازمان واللامكان)، إذ أننا لا يمكن أن ندرك بداية الزمن لذا فنسميه أزلاً، أو ندرك نهاية الزمن، لذا فنسميه أبداً، وكذلك فإننا لا يمكن أن ندرك بداية المكان أو نهايته وكذلك إيماننا بالعدم الذي كان يسبق الوجود علي الرغم من استحالة تصورنا له والذي احتار في وصفه الفلاسفة وأجهدوا عقولهم في أشياء لم يخلقه الله لها دون طائل..... إذ أنهم (أي الفلاسفة) يزعمون أن العدم هو في حد ذاته وجود لأن العدم كان موجوداً قبل الوجود، إذن فهو وجود بشكل ما، ولكننا بالطبع كدينيين لا نؤمن بذلك إطلاقاً.... فالله تعالي قد خلق كل شئ من عدم، وبالطبع فكل هذا فوق عقولنا تماماً.
وأما من الأشياء التي ضد العقل فهي:
1- الجمع بين الشئ ونقيضه في آن واحد، فمثلاً لا نستطيع أن نصف رجلاً بالكرم والبخل في آن واحد، ولا يستطيع أي منا أن يجلس ويقف في آن واحد وهكذا....
2- الاعتقاد بوجود الشئ دون موجد أو أسباب دون مسبب، فهل رأي أحد منا قبل ذلك في حياته اليومية المألوفة لوحات فنية دون رسام..؟؟.. هل راي أحد منا مائدة عليها أشهي المأكولات دون طباخ.....!!... إذن فلماذا يعتقد الملحدون بأن الكون ليس له موجد...؟؟... وأين الدلائل التي رأوها في حياتهم اليومية حتي يجزموا بهذا ويطمئنوا إليه... ألا ترين أنكم بذلك توردون أنفسكم مورد التهلكة دون أن تشعروا....؟؟...!!...
قالت: إنك دائماً تعول علي الفرق بين ما هو فوق العقل وما هو ضد العقل وتكرر تلك العبارة مرارا وتكرارا دون إعطاء أي مدلول أو مفهوم واضح لها....أليست هناك أشياء في القرآن الكريم ضد العقل تماماً...
قلت: أجل بالطبع فليس هناك أي أشياء من هذا القبيل إطلاقاً.....!!!...
قالت: إذن فكيف يخلق الله تعالي للملائكة أجنحة، فهل هم بحاجة إلي الطيران..؟؟.. وإن كان الأمر كذلك، أليس ربكم بقادر علي جعل تلك الكائنات النورانية العلوية (كما تعتقدون) قادرة علي الطيران بلا أجنحة....؟؟..... ولماذا يرسل ملائكة مع المقاتلين في سبيله....؟؟... أليس بقادر علي نصرهم وحده...؟؟... ما معني قول ربكم (وكان عرشه علي الماء) وهذا بعد أن خلق السماوات والأرض، فهل كان هناك ماء قبل خلق السماوات والأرض...؟؟...... أليس كل ذلك ضد العقل تماماً....؟؟..
قلت: لا يوجد عقلاً ما ينفي كل ذلك إطلاقاً... كما أنه ليس ضد العلم في شئ، فكل ما قلتيه هنا هو فوق العقل فقط وليس ضده.... ولكن ما هو ضد العقل تماماً أن ينكر الملحد وجود قوة عاقلة حكيمة وراء هذا الكون ضارباً بعرض الحائط كل ما في هذا الكون من بديع صنع ودقة نظام ووجود أسباب بلا أي مسبب وأهمها وجود كل ما يحتاجه الإنسان في تلك المعمورة دون واجد، إن الذي ضد العقل بحق هو أن تعترفوا بسيادة الإنسان علي كائنات تلك الأرض وقدرته علي اكتشاف الكنوز الخبيئة فيها دون أن تعترفوا بالخالق العظيم الذي سبب وجعل وأوجد كل هذا...... إن ما هو ضد العقل فعلاً هو أن تعبدوا عقولكم فتتصورون أنها هي المهيمنة علي ما سواها دون أن تعترفوا بقصور العقل ومحدودية وظائفه، ألا تعلمين أن أول مظاهر احترام العقل هو التسليم بقصوره ومحدوديته....؟؟..!!..
إذ أن إلحادكم هو من قبيل الإيمان السلبي، أما إيماننا نحن فهو الإيمان الإيجابي..
قالت: أرجو أن تبين ذلك بصورة أوضح
قلت: أما الإيمان السلبي فهو الإيمان بأشياء غير حقيقية ولا وجود لها علي أرض الواقع كالإيمان بالخرافات والإيمان بأوهام وترهات تجعل المؤمن بها في ضلال مبين فيضيع عمره في اللهث جرياً ورائها دون أي جدوي، وبالطبع فإن هذا النوع من الإيمان يعتنقه الملحدون والمشركون بالله تعالي وكل من يدين بدين غير الإسلام....!!..
أما الإيمان الإيجابي فهو الإيمان بالإسلام في جميع العصور سواء كانت الخالية أو الحالية أو القادمة، فالإسلام هو الذي جاء به جميع الأنبياء من لدن آدم حتي النبي الكريم محمد صلي الله عليه وسلم
قالت: إذن فما هي وظائف العقل وعلام يكون قاصراً....؟؟..
قلت: إن مهام العقل تنحصر في وظيفتين، أما الأولي فتختص بكل ما يتعلق بالخلافة في الأرض أي في تشييد المنشآت واستصلاح الأراضي واستخراج الكنوز الخبيئة الموجودة في باطن الأرض....الخ، وأما الثانية فتختص بمعرفة الخالق سبحانه وتعالي والاهتداء إلي وجوده ووحدانيته دون رسل، فالله تعالي موجود في فطرة كل إنسان علي وجه تلك البسيطة.... ثم يجئ دور الرسول بعد ذلك ويخبر عن الخالق تبارك وتعالي، وهنا تتوقف مهمة العقل وتنتهي تماماً ويبدأ الإنسان في الامتثال والانقياد لأوامر الله تعالي من خلال هذا الرسول الذي تكون طاعته من طاعة الله تبارك وتعالي، وبناء علي هذا التعريف فإن مناقشة الذات الإلهية وكنه الملائكة ومعرفة تفاصيل أكثر عن الجنة أوالنار بما لم يرد ذكره في كتاب سماوي يخرج تماماً عن مهام العقل الأساسية، بل ويصبح الخوض فيها من أعظم المهلكات التي تودي بصاحبها حتماً وتؤدي به إلي المهالك.
إننا حينما نسألكم عن مدي تأكدكم من أن المادة هي أصل الأشياء، فسوف نسمع منكم الاسطوانة المعهودة التي نسمعها من كل ملحد حينما يقول: (هذا سوف يدخل بنا في أمور غيبية نحن في غني عنها ونحن ضد الغيب تماماً)...!!...فحينئذ سوف يكون الرد المنطقي عليكم: وهل ما فعلتموه بإنكاركم ما وراء المادة إلا هو عين الرجم بالغيب والدجل والشعوذة... فإذا قلتم أن العلم التجريبي المخبري لا يستطيع أن يثبت وجود إله فسوف نقول لكم علي الفور، ولا يستطيع أيضاً أن ينفي وجوده، ويكفي أن أقول لك أن الإيمان بالله تعالي لا يكون بالعقل وحده وإنما بالعقل والقلب معاً....إذ أنه من الممكن أن تقتنعي بكل الأدلة التي تثبت وجود الله تعالي عقلاً، ولكن قد تجدي حائلاً يحول بينك وبين قلبك فلا يستطيع أن يطمئن إلي تلك الدلائل ويستريح لها علي الرغم من شدة وضوحها وعظمتها..... نسأل الله تعالي السلامة......
إنكم لا تؤمنون بالغيب وتفتخرون بذلك وهذا عار عليكم في حد ذاته، إذ أنكم لا تستطيعون أن تفرقوا بين الغيب والترهات، فالغيب يطلق علي كل ما يغيب عن حواسنا الخمس ولا يخضع لمنطق التجريب كما قلت مع ملاحظة وجوده علي أرض الواقع، أما الترهات والأوهام والخرافات فلا وجود لها إلا في مخيلتكم أنتم فقط، أما العار الأكبر منه والذي أصبح نتيجة حتمية لرفضكم الغيب هو إيمانكم بأوهام لا أساس لها من الصحة..... فإيمانكم بأن المادة هي أصل هذا الكون دون خالق مبدع مدبر حكيم هو سقطة فكرية فطرية لا تصدر إلا عن أراذل الناس فكرياً وفطرياً، فهي مرض عضال لا يستدعي الشفقة ويندي له الجبين بل هو اشد وأخزي داء يفتك بصاحبه في الدنيا والآخرة... إن من ينكر ذلك بجرة قلم يكون قد سفه نفسه وأضل عقله وتدني لمرتبة الحيوان بل وأقل من ذلك بكثير وذلك لأنه قام بتعطيل عقله الذي كرمه الله تعالي وفضله به عن مخلوقات الأرض جميعاً، وقد صدق الله العظيم حينما قال: (...أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ....) (الأعراف 179)، وحينما قال أيضاً: (.....وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (محمد 12)..... أرجو ألا تنزعجي من صراحتي، فهذا ديننا الحنيف الذي لا يقبل المراء أو المداهنة أو المجاملة بأي شكل.
أما بعد: فهذا هو موجز المناقشة التي كانت بيني وبين تلك الملحدة في هذا الفصل، والتي أبت علي نفسها إلا أن تلغي عقلها تماماً وتتمسك بكل ما هو ضد العقل لأسباب يعلمها الله وحده وقد أدرجت بعض أقوالها ومعتقداتها هنا لأبين للقارئ الكريم بعض النماذج الفكرية أقصد (اللافكرية..!!.) التي يسلكها بعض الناس ضاربين بعقولهم ومصائرهم الحتمية عرض الحائط.
وفي نهاية هذا الفصل أستطيع أن أوجز تلك المناقشة في عدة نقاط:
1- الإلحاد يستوجب العقوبة المغلظة من الله تعالي، إذ أنه تعطيل لأكبر وظيفة للعقل وما يترتب عليه من جحود لنعمة الخالق فضلاً عن جحود الخالق ذاته تبارك وتعالي وذلك بإنكار فضله فضلاً عن إنكار وجوده، وذلك يؤدي بالملحد حتماً إلي التدني لمرتبة أسفل من مرتبة الحيوان.
2- لا يوجد شئ يسمي (بعدم الإيمان)، فأي إنسان يؤمن بأشياء ويقتنع بها من داخله حتي ولو كانت خرافات، فالملحد مؤمن ولكنه لا يشعر، فهو يؤمن بعدم وجود إله ولكنه يقلب الوضع فيقول أنه: (لا يؤمن بوجود إله)، فهو بذلك يحاول أن يقنع نفسه بعدم وجود شئ اسمه (إيمان) ولكن هيهات هيهات...!!..
3- إن الغيب حق، والكائنات الغيبية علي الرغم من أن إدراكها يخرج تماماً عن نطاق حواسنا الخمس، كما أنه لا تحكمه قوانين للعلوم الطبيعية أو الرياضية، إلا أن تلك الكائنات موجودة فعلاً، ولكن هناك أشياء ليس لها أي وجود إلا في أذهان الأطفال أو الكبار الذين يسفهون عقولهم وعلي الرغم من ذلك يؤمنون بها كالأشياء التي ذكرناها سابقاً من أشباح وخلافه، وبالطبع فإن كل تلك الأشياء لا تسمي غيباً، ومن ثم فهي لا تكون من الأمور الغيبية في شئ، وإنما هي ترهات وأوهام كبيرة يفني في سبيلها الملحدون والمشركون أعمارهم ولا يدرون عن ذلك شيئاً إلا بعد فوات الأوان.
4- إن الإيمان السلبي (وهو الإيمان بالأشياء غير الحقيقية) يساوي الكفر ويعاقب عليه الله تعالي، أما الإيمان الإيجابي (وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) فهو الإيمان الذي يقبله الله تعالي ويثيب المؤمن عليه في الدنيا والآخرة.
قابلتني إحدى الملحدات (هداها الله تعالي) في إحدى المنتديات فوجدتها تتكلم عن الإسلام بحنق شديد وبصورة تفريغية بشعة تنفث من خلالها كل سمومها نحو هذا الدين الحنيف ظلماً وبهتاناً بغير علم ولا فقه ولا عقل ولا نقل، الأمر الذي أثار عندي الكثير من السخط عليها فجعلني أحتد في أسلوب الخطاب الذي اتخذ لهجة شديدة من جانبي نحوها، ولكنها كانت أكثر مني دهاء فامتصت غضبي وطلبت مني ضبط النفس والتريث وذلك بطلبها إلي أن أجيب عن سؤال واحد مما يجول بخاطرها ويجعلها تكره هذا الدين الحق بلا أدني منطق أو مناقشة، لذا فقد حاولت قدر الإمكان في مناقشتي تلك أن أتجنب الخوض معها فيما يتعلق بوجود الذات الإلهية أو الرد علي القضايا الهامة سواء كانت تشريعية أو أوامر أو نواهي في القرآن الكريم نظراً لخبرتي الطويلة بأسلوب الملحدين وقلبهم للحقائق أباطيل بطرق لولبية سحرية زئبقية....!!...
قلت: مهلاً، إن ما يدور بخلدك وتعتقدين أن ليس له إجابة إنما ينبع من اعتقادك الشخصي فقط والذي ينبع بدوره من عدم علمك وإقحام نفسك في أشياء يعجز العقل البشري عن الوصول إليها، وليس معني أنك لا تملكين الإجابة فإن ذلك ينفي وجودها...
قالت: إذن فأجب أنت عن هذا السؤال إن استطعت (....)
قلت: حتي وإن لم أكن أملك الإجابة عنه (مع أنني لا أعرفه حتي الآن) إلا أن هذا ليس دليلاً علي عدم وجود إجابة.... أنا رجل آمنت بالله تعالي وبكتابه (القرآن الكريم) إيماناً مطلقاً، وبالطبع فإن الفرق بين إيماني بالإسلام وإيمانك بالإلحاد...!!!...يكون بمقدار 180 درجة، إذ أنك حينما تنفين الإيمان كلية وتنكري وجوده وتدعين أنه مجرد وهم وسراب، فإنك في الوقت ذاته تغالطين نفسك فتؤمنين بالإلحاد وإنكار وجود الخالق عز وجل.... وبالطبع فإنك لن تستطيعي أن تسمي ذلك باسم آخر غير الإيمان ولكنه في الواقع يعتبر إيمان ولكن بعدم وجود الشئ، إذ أن الإيمان يكون دائماً بالغيب الحق أو بالترهات والأوهام، وما الإلحاد إلا تلك الأوهام ولا تستطيعين أن تسميه بعكس ذلك، فأنت لم تدركي بحواسك الخمس أن ليس هناك إله،.....!!....أما أنا فأوقن وأجزم بأنه إذا بدا ثمة نقص في شئ ما يتعلق بالإسلام الحنيف فإنه ليس نقصاً في واقع الأمر، ولكنه القصور الذي يحيط بعقولنا تارة، وعدم العلم الكافي الذي ينبغي أن نزود به أنفسنا تارة أخري..... يا عزيزتي إن هناك فرقاً كبيراً بين ما هو فوق العقل وما هو ضد العقل والبون شاسع بين هذا وذاك.... فالإسلام لا يوجد به ما هو ضد العقل إطلاقاً، وكيف ذلك وهو يشيد بالعقل ويرفع من شأنه بل ويجعله أهم أداه يستخدمها المسلم للوصول إلي الحق وتقرير مصيره....؟؟....!!... إن الإسلام يوجد به ما هو في مستوي العقل البشري كما يوجد به أيضاً ما هو فوق العقل البشري ولا غرو في ذلك إطلاقاً فلا تجعلي ما هو فوق عقلك حجة زائفة علي الإسلام لأن ذلك سوف يكون حجة عليك أنت وحدك دون غيرك......
قالت: كيف تصفنا بالإيمان ونحن ضده..؟؟... ألا تعلم أن الملحدين لا يؤمنون بأي شئ علي الإطلاق....؟؟.... إنكم أنتم الذين تؤمنون بالغيبيات ولكننا ضد تلك الغيبيات فكيف تصفنا بالإيمان....؟؟...
قلت: هذا غير صحيح.... فكما أننا نؤمن بوجود الشئ فإنكم تؤمنون بعدم وجوده..!!...، ولكن إيماننا له أسبابه ودوافعه العقلية والمنطقية والفطرية التي لا يستطيع أن يحيا الإنسان إلا بها، وهذا بعكس إيمانكم تماماً الذي يخلو من أي عنصر من تلك العناصر التي ذكرتها قبل ذلك، إذ أن أي إنسان علي وجه تلك البسيطة يؤمن بأشياء يعتقد بها سواء كانت صحيحة أم خطأ، ولم يُخلق إنسان حتي الآن، بل وأقول لن يُخلق هذا الإنسان الذي لا يؤمن بأي شئ علي الإطلاق، المسألة عندكم مجرد تلاعب بالألفاظ فضلاً عن أنها أوهام كبيرة تحاولون أن تستروا بها الحقيقة لتبرروا إلحادكم.
قالت: إذن فما هو الإيمان بالشئ...؟؟..
قلت: هو الاعتقاد والتصديق بوجوده والشعور بالأمن والطمأنينة من جراء ذلك، أي الارتياح لهذا الاعتقاد والتسليم به.
قالت: وما الفرق بين الشئ القابل للإيمان به والشئ غير القابل للإيمان به...؟؟
قلت: إن الشئ الذي لا يقبل الإيمان به هو كل ما تدركه حواسك الخمس أو يخضع للتجريب أي تحكمه قوانين فيزيائية أو كيميائية أو رياضية.... الخ..... فلا يجوز مثلاً أن نقول آمنا بالشمس أو بالأشعة تحت الحمراء (مع أن حواسنا الخمس لا تدركها ولكنها تخضع للتجريب)، كما لا يجوز أيضاً أن نقول آمنا بالإحدى عشر بعداً لهذا الكون والتي هي بخلاف الطول والعرض والارتفاع والزمن علي الرغم من أن حواسنا الخمس لا تدركها كما أنها لا تخضع للقوانين الفيزيائية، ولكن بالطبع يمكن إثباتها بالقوانين الرياضية، لذا فهي تخضع لتلك القوانين وعليه فهي غير قابلة للإيمان بها.
ولكن يجوز لنا أن نقول: آمنا بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، كما يجوز لغير العقلاء أن يؤمنوا بأوهام وترهات مثل الأشباح والغول والعنقاء والرخ وما إلي ذلك..!!.. فكل هذا لا تدركه حواسنا الخمس ولا يخضع للتجريب وقوانين العلوم الطبيعية والرياضية.
قالت: وما الذي يجعلني أؤمن بأشياء لا تدركها حواسي الخمس ولا تحكمها قوانين العلوم الطبيعية أو الرياضية، أي لا تخضع لعلم التجريب والفيزياء وما إلي ذلك...؟؟.. إن حال تلك الأشياء لا يجعلنا نصدقها ولا دليل واحد علي تصديقها، فكيف تطالبنا بالإيمان والتصديق بها..؟؟..
قلت: أولاً: إنكم تؤمنون بأشياء من هذا القبيل ولكن لا دليل عليها كالإيمان بالأشباح والعنقاء... الخ بل ما هو أكثر منها خرافة، فإيمانكم بأن المادة هي أصل كل شئ ولا شئ قبلها، كما أن إيمانكم بتطور الكائنات الحية دون آلية تحكم هذا التطور (هذا علي فرض صحة نظرية التطور أصلاً)، وأيضاً إيمانكم بأن هذا التطور قد تم بفعل القوانين الباطنة في المادة دون موجه أو منظم هو إيمان ينافي العقل تماماً ولكنكم تؤمنون بذلك، فمن منكم كان موجوداً في بداية الخليقة حتي يجزم بتلك المقولة...؟؟.... وكذلك تؤمنون بأن الحياة قد دبت في الحيوان وحيد الخلية (الأميبا) دون خالق وهذا ليس عليه أي دليل مادي أو عقلي واحد وعلي الرغم من ذلك تؤمنون به... ألا ترين أنك تناقضين نفسك مثل باقي الملحدين....؟؟...!!..
ثانياً: إن إيماننا نحن هو عين العقل والصدق..... فإيماننا بالله تعالي يوافق كل فطرة سليمة وأي عقل راجح
..... وهو لا يحتاج من الإنسان الطبيعي سوي نظرة في الكون الرحيب متسع الأرجاء حتي يدرك أن هناك خالقاً، ويكفي أن أقول لك أن احتمال وجود كل ما ينفع الإنسان في الأرض وجعله سيداً علي باقي مخلوقاتها، بالإضافة إلي أن احتمال وجود حكمة من الشر وأنه يحمل في باطنه الخير وحكمة الموت وغيرها، كل احتمال من تلك الاحتمالات بدون قوة حكيمة وراء هذا الكون يساوي صفراً.....!!...هل تتخيلين معي معني انعدام تلك الاحتمالات وجعل كل منها مساوياً للصفر....؟؟.... إن هذا معناه أن هناك إلها بنسبة 100% دون نقاش أو جدال..... وعليك أن تسألي بعض المتخصصين في نظرية الاحتمالات ليجيبك هو بنفسه ويؤكد لك تلك المعلومة التي أوردتها لك...... فما قيمة العلم الذي تتعلمونه وأنتم أول من يخالفونه وتنقضوا نتائجه وتفصموا عراه عروة عروة.... إنكم بذلك يا عزيزتي تهدمون أبسط قواعد العلم والمنطق والعقل دون أن تدروا.
ثالثاً: لو آمنت بأشياء تدركها حواسك الخمس وتخضع للتجريب لما سمي ذلك إيماناً..... أرجو أن تنظري في تعريف الإيمان الذي شرحته لك سابقاً وأن تتريثي في طرح السؤال من فضلك قبل أن تسأليه.
قالت: إذن فأعطني أمثلة من الأشياء التي فوق العقل والتي ضد العقل بشرط أن تكون واقعية حتي أدركها.
قلت: من الأشياء التي فوق العقل (اللازمان واللامكان)، إذ أننا لا يمكن أن ندرك بداية الزمن لذا فنسميه أزلاً، أو ندرك نهاية الزمن، لذا فنسميه أبداً، وكذلك فإننا لا يمكن أن ندرك بداية المكان أو نهايته وكذلك إيماننا بالعدم الذي كان يسبق الوجود علي الرغم من استحالة تصورنا له والذي احتار في وصفه الفلاسفة وأجهدوا عقولهم في أشياء لم يخلقه الله لها دون طائل..... إذ أنهم (أي الفلاسفة) يزعمون أن العدم هو في حد ذاته وجود لأن العدم كان موجوداً قبل الوجود، إذن فهو وجود بشكل ما، ولكننا بالطبع كدينيين لا نؤمن بذلك إطلاقاً.... فالله تعالي قد خلق كل شئ من عدم، وبالطبع فكل هذا فوق عقولنا تماماً.
وأما من الأشياء التي ضد العقل فهي:
1- الجمع بين الشئ ونقيضه في آن واحد، فمثلاً لا نستطيع أن نصف رجلاً بالكرم والبخل في آن واحد، ولا يستطيع أي منا أن يجلس ويقف في آن واحد وهكذا....
2- الاعتقاد بوجود الشئ دون موجد أو أسباب دون مسبب، فهل رأي أحد منا قبل ذلك في حياته اليومية المألوفة لوحات فنية دون رسام..؟؟.. هل راي أحد منا مائدة عليها أشهي المأكولات دون طباخ.....!!... إذن فلماذا يعتقد الملحدون بأن الكون ليس له موجد...؟؟... وأين الدلائل التي رأوها في حياتهم اليومية حتي يجزموا بهذا ويطمئنوا إليه... ألا ترين أنكم بذلك توردون أنفسكم مورد التهلكة دون أن تشعروا....؟؟...!!...
قالت: إنك دائماً تعول علي الفرق بين ما هو فوق العقل وما هو ضد العقل وتكرر تلك العبارة مرارا وتكرارا دون إعطاء أي مدلول أو مفهوم واضح لها....أليست هناك أشياء في القرآن الكريم ضد العقل تماماً...
قلت: أجل بالطبع فليس هناك أي أشياء من هذا القبيل إطلاقاً.....!!!...
قالت: إذن فكيف يخلق الله تعالي للملائكة أجنحة، فهل هم بحاجة إلي الطيران..؟؟.. وإن كان الأمر كذلك، أليس ربكم بقادر علي جعل تلك الكائنات النورانية العلوية (كما تعتقدون) قادرة علي الطيران بلا أجنحة....؟؟..... ولماذا يرسل ملائكة مع المقاتلين في سبيله....؟؟... أليس بقادر علي نصرهم وحده...؟؟... ما معني قول ربكم (وكان عرشه علي الماء) وهذا بعد أن خلق السماوات والأرض، فهل كان هناك ماء قبل خلق السماوات والأرض...؟؟...... أليس كل ذلك ضد العقل تماماً....؟؟..
قلت: لا يوجد عقلاً ما ينفي كل ذلك إطلاقاً... كما أنه ليس ضد العلم في شئ، فكل ما قلتيه هنا هو فوق العقل فقط وليس ضده.... ولكن ما هو ضد العقل تماماً أن ينكر الملحد وجود قوة عاقلة حكيمة وراء هذا الكون ضارباً بعرض الحائط كل ما في هذا الكون من بديع صنع ودقة نظام ووجود أسباب بلا أي مسبب وأهمها وجود كل ما يحتاجه الإنسان في تلك المعمورة دون واجد، إن الذي ضد العقل بحق هو أن تعترفوا بسيادة الإنسان علي كائنات تلك الأرض وقدرته علي اكتشاف الكنوز الخبيئة فيها دون أن تعترفوا بالخالق العظيم الذي سبب وجعل وأوجد كل هذا...... إن ما هو ضد العقل فعلاً هو أن تعبدوا عقولكم فتتصورون أنها هي المهيمنة علي ما سواها دون أن تعترفوا بقصور العقل ومحدودية وظائفه، ألا تعلمين أن أول مظاهر احترام العقل هو التسليم بقصوره ومحدوديته....؟؟..!!..
إذ أن إلحادكم هو من قبيل الإيمان السلبي، أما إيماننا نحن فهو الإيمان الإيجابي..
قالت: أرجو أن تبين ذلك بصورة أوضح
قلت: أما الإيمان السلبي فهو الإيمان بأشياء غير حقيقية ولا وجود لها علي أرض الواقع كالإيمان بالخرافات والإيمان بأوهام وترهات تجعل المؤمن بها في ضلال مبين فيضيع عمره في اللهث جرياً ورائها دون أي جدوي، وبالطبع فإن هذا النوع من الإيمان يعتنقه الملحدون والمشركون بالله تعالي وكل من يدين بدين غير الإسلام....!!..
أما الإيمان الإيجابي فهو الإيمان بالإسلام في جميع العصور سواء كانت الخالية أو الحالية أو القادمة، فالإسلام هو الذي جاء به جميع الأنبياء من لدن آدم حتي النبي الكريم محمد صلي الله عليه وسلم
قالت: إذن فما هي وظائف العقل وعلام يكون قاصراً....؟؟..
قلت: إن مهام العقل تنحصر في وظيفتين، أما الأولي فتختص بكل ما يتعلق بالخلافة في الأرض أي في تشييد المنشآت واستصلاح الأراضي واستخراج الكنوز الخبيئة الموجودة في باطن الأرض....الخ، وأما الثانية فتختص بمعرفة الخالق سبحانه وتعالي والاهتداء إلي وجوده ووحدانيته دون رسل، فالله تعالي موجود في فطرة كل إنسان علي وجه تلك البسيطة.... ثم يجئ دور الرسول بعد ذلك ويخبر عن الخالق تبارك وتعالي، وهنا تتوقف مهمة العقل وتنتهي تماماً ويبدأ الإنسان في الامتثال والانقياد لأوامر الله تعالي من خلال هذا الرسول الذي تكون طاعته من طاعة الله تبارك وتعالي، وبناء علي هذا التعريف فإن مناقشة الذات الإلهية وكنه الملائكة ومعرفة تفاصيل أكثر عن الجنة أوالنار بما لم يرد ذكره في كتاب سماوي يخرج تماماً عن مهام العقل الأساسية، بل ويصبح الخوض فيها من أعظم المهلكات التي تودي بصاحبها حتماً وتؤدي به إلي المهالك.
إننا حينما نسألكم عن مدي تأكدكم من أن المادة هي أصل الأشياء، فسوف نسمع منكم الاسطوانة المعهودة التي نسمعها من كل ملحد حينما يقول: (هذا سوف يدخل بنا في أمور غيبية نحن في غني عنها ونحن ضد الغيب تماماً)...!!...فحينئذ سوف يكون الرد المنطقي عليكم: وهل ما فعلتموه بإنكاركم ما وراء المادة إلا هو عين الرجم بالغيب والدجل والشعوذة... فإذا قلتم أن العلم التجريبي المخبري لا يستطيع أن يثبت وجود إله فسوف نقول لكم علي الفور، ولا يستطيع أيضاً أن ينفي وجوده، ويكفي أن أقول لك أن الإيمان بالله تعالي لا يكون بالعقل وحده وإنما بالعقل والقلب معاً....إذ أنه من الممكن أن تقتنعي بكل الأدلة التي تثبت وجود الله تعالي عقلاً، ولكن قد تجدي حائلاً يحول بينك وبين قلبك فلا يستطيع أن يطمئن إلي تلك الدلائل ويستريح لها علي الرغم من شدة وضوحها وعظمتها..... نسأل الله تعالي السلامة......
إنكم لا تؤمنون بالغيب وتفتخرون بذلك وهذا عار عليكم في حد ذاته، إذ أنكم لا تستطيعون أن تفرقوا بين الغيب والترهات، فالغيب يطلق علي كل ما يغيب عن حواسنا الخمس ولا يخضع لمنطق التجريب كما قلت مع ملاحظة وجوده علي أرض الواقع، أما الترهات والأوهام والخرافات فلا وجود لها إلا في مخيلتكم أنتم فقط، أما العار الأكبر منه والذي أصبح نتيجة حتمية لرفضكم الغيب هو إيمانكم بأوهام لا أساس لها من الصحة..... فإيمانكم بأن المادة هي أصل هذا الكون دون خالق مبدع مدبر حكيم هو سقطة فكرية فطرية لا تصدر إلا عن أراذل الناس فكرياً وفطرياً، فهي مرض عضال لا يستدعي الشفقة ويندي له الجبين بل هو اشد وأخزي داء يفتك بصاحبه في الدنيا والآخرة... إن من ينكر ذلك بجرة قلم يكون قد سفه نفسه وأضل عقله وتدني لمرتبة الحيوان بل وأقل من ذلك بكثير وذلك لأنه قام بتعطيل عقله الذي كرمه الله تعالي وفضله به عن مخلوقات الأرض جميعاً، وقد صدق الله العظيم حينما قال: (...أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ....) (الأعراف 179)، وحينما قال أيضاً: (.....وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (محمد 12)..... أرجو ألا تنزعجي من صراحتي، فهذا ديننا الحنيف الذي لا يقبل المراء أو المداهنة أو المجاملة بأي شكل.
أما بعد: فهذا هو موجز المناقشة التي كانت بيني وبين تلك الملحدة في هذا الفصل، والتي أبت علي نفسها إلا أن تلغي عقلها تماماً وتتمسك بكل ما هو ضد العقل لأسباب يعلمها الله وحده وقد أدرجت بعض أقوالها ومعتقداتها هنا لأبين للقارئ الكريم بعض النماذج الفكرية أقصد (اللافكرية..!!.) التي يسلكها بعض الناس ضاربين بعقولهم ومصائرهم الحتمية عرض الحائط.
وفي نهاية هذا الفصل أستطيع أن أوجز تلك المناقشة في عدة نقاط:
1- الإلحاد يستوجب العقوبة المغلظة من الله تعالي، إذ أنه تعطيل لأكبر وظيفة للعقل وما يترتب عليه من جحود لنعمة الخالق فضلاً عن جحود الخالق ذاته تبارك وتعالي وذلك بإنكار فضله فضلاً عن إنكار وجوده، وذلك يؤدي بالملحد حتماً إلي التدني لمرتبة أسفل من مرتبة الحيوان.
2- لا يوجد شئ يسمي (بعدم الإيمان)، فأي إنسان يؤمن بأشياء ويقتنع بها من داخله حتي ولو كانت خرافات، فالملحد مؤمن ولكنه لا يشعر، فهو يؤمن بعدم وجود إله ولكنه يقلب الوضع فيقول أنه: (لا يؤمن بوجود إله)، فهو بذلك يحاول أن يقنع نفسه بعدم وجود شئ اسمه (إيمان) ولكن هيهات هيهات...!!..
3- إن الغيب حق، والكائنات الغيبية علي الرغم من أن إدراكها يخرج تماماً عن نطاق حواسنا الخمس، كما أنه لا تحكمه قوانين للعلوم الطبيعية أو الرياضية، إلا أن تلك الكائنات موجودة فعلاً، ولكن هناك أشياء ليس لها أي وجود إلا في أذهان الأطفال أو الكبار الذين يسفهون عقولهم وعلي الرغم من ذلك يؤمنون بها كالأشياء التي ذكرناها سابقاً من أشباح وخلافه، وبالطبع فإن كل تلك الأشياء لا تسمي غيباً، ومن ثم فهي لا تكون من الأمور الغيبية في شئ، وإنما هي ترهات وأوهام كبيرة يفني في سبيلها الملحدون والمشركون أعمارهم ولا يدرون عن ذلك شيئاً إلا بعد فوات الأوان.
4- إن الإيمان السلبي (وهو الإيمان بالأشياء غير الحقيقية) يساوي الكفر ويعاقب عليه الله تعالي، أما الإيمان الإيجابي (وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) فهو الإيمان الذي يقبله الله تعالي ويثيب المؤمن عليه في الدنيا والآخرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق